
اكتب حرفين على الأقل لعرض الاقتراحات، أو اضغط Enter للبحث الكامل.
تقع قرية كيسان جنوب مدينة بيت لحم، ويبلغ عدد سكانها نحو 800 نسمة. وكغيرها من العديد من التجمعات الفلسطينية المصنفة ضمن مناطق (ج)، تخضع القرية لقيود إسرائيلية مشددة على البناء والتطوير بموجب اتفاقية أوسلو لعام 1995، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على واقع الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم.
ولسنوات طويلة، اضطر أطفال القرية إلى تلقي تعليمهم في مبنى مدرسي متواضع أُنشئ أساساً ككرفانات ومستودعات، ويفتقر إلى أدنى مقومات البيئة التعليمية السليمة. فقد كانت الغرف الصفية ضيقة ومكتظة، وتغيب الساحة المدرسية الآمنة، بينما عانت المدرسة من نقص حاد في التجهيزات والوسائل التعليمية، ما حرم الطلبة من حقهم في بيئة تعليمية لائقة.
انطلاقاً من حاجة المجتمع الملحة، عملت لجنة مشاريع القرية، بالشراكة مع الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC) وصندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية (MDLF)، على إيجاد حل جذري ومستدام لهذه المشكلة من خلال إنشاء مدرسة جديدة تلبي احتياجات أبناء القرية. وبعد سلسلة طويلة من الاجتماعات والجهود المتواصلة، انطلق تنفيذ المشروع في كانون الثاني/يناير 2020.
لم يكن الطريق سهلاً. فقد واجه المشروع العديد من المعيقات والإجراءات الإسرائيلية، تمثلت في إصدار ثلاثة إخطارات بوقف العمل والهدم، ومصادرة معدات البناء، واحتجاز العمال، في محاولة لعرقلة تنفيذ المشروع. إلا أن أبناء القرية تمسكوا بحقهم في التعليم، وواصلوا العمل بإصرار حتى اكتمل المشروع في آب/أغسطس 2021.
وفي وصفه لأهمية المشروع، قال أحد مسؤولي القرية: "سيُسجل مشروع المدرسة الجديدة في تاريخ كيسان باعتباره أهم مشروع شهدته القرية خلال السنوات الأخيرة." وأضاف: "إنه يشبه شرايين القلب التي تضخ الحياة في جسد القرية."
وبعد رحلة طويلة من الصمود والتحدي، فتحت المدرسة الجديدة أبوابها لاستقبال طلبتها في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر 2021، لتجسد قصة نجاح تؤكد أن الإرادة والعمل الجماعي قادران على تحويل المستحيل إلى واقع.
وتضم المدرسة الجديدة صفوفاً دراسية واسعة تستوعب نحو 160 طالباً وطالبة، ما وفر بيئة تعليمية أكثر راحة وجودة، وأسهم في تحسين مستوى التحصيل الدراسي. كما تضم ساحة مدرسية آمنة تتيح للأطفال ممارسة الأنشطة اللامنهجية واللعب بحرية، بعيداً عن المخاطر التي كانوا يواجهونها سابقاً نتيجة اضطرارهم لاستخدام الشارع كساحة مدرسية، وما كان يرافق ذلك من التعرض للظروف الجوية القاسية ومضايقات المستوطنين.
كما عالج المشروع جانباً مهماً من احتياجات العملية التعليمية، من خلال توفير بيئة أكثر ملاءمة للتدريس، بما يتيح مستقبلاً تعزيز المدرسة بالمعدات والوسائل التعليمية الحديثة التي تسهم في الارتقاء بجودة التعليم.
وقد انعكس إنجاز المشروع إيجاباً على الطلبة وأولياء الأمور والهيئة التدريسية، الذين عبروا عن سعادتهم بالمدرسة الجديدة. وفي هذا السياق، قال أحد المعلمين: "الطلبة متحمسون للغاية للانتقال إلى مدرسة أكبر وأكثر ملاءمة." أما مدير المدرسة، فقد قرر الاحتفال بهذه المناسبة المميزة من خلال استقبال الطلبة في أول يوم دراسي بملابس العيد، في مشهد عكس حجم الفرح الذي عمّ القرية بأكملها.
ورغم جميع التحديات والعراقيل التي رافقت تنفيذ المشروع، فإن مدرسة كيسان أصبحت اليوم شاهداً على قوة الإرادة المجتمعية، ونموذجاً حياً للشراكة الفاعلة في دعم صمود التجمعات الفلسطينية، وترسيخ حق الأطفال في الحصول على تعليم كريم وآمن.